تفصيل وتأصيل حول ما يسمى بالأحزاب السلفية

تفصيل وتأصيل حول ما يسمى بالأحزاب السلفية
5218 زائر
01-01-1970 01:00

تأصيلٌ وتفصيلٌ حول ما يُسمَّى

بـ(الأحزابِ السَّلفيَّة!) 

 

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكلَّ ضلالةِ في النَّار.

وبعدُ:

فقد كنتُ -أيها الإخوةُ في الله- مُهيِّئًا نفسي أن يكونَ هذا المجلسُ كسابقاتِه من المجالسِ العلميَّة في بابِ الفقهِ الذي نتدارسُه ونتذاكرُه ضمنَ كتابِ «الإقناعِ» للإمامِ أبي بكر ابن المُنذِر، لكنَّ أحدَ إخوانِنا الأحبَّة هَمسَ في أذُنِي بكلمةٍ جعلتني أغيِّرُ ما كان دائرًا في نفسي ذِكرُه؛ لأحوِّله إلى شيءٍ آخر -تنبيهًا، وإرشادًا، وتوجيهًا، وتصحيحًا-.

ذلكم أنَّ العلمَ قِسمان:

علمٌ ضروريٌّ؛ وهو العلمُ الذي يحتاجُه المسلمُ ساعتَه.

وعلمٌ له فيه سَعةٌ؛ وهو الذي ليس فيه له اضطرارٌ.

وإنِّي لَأرى أنَّ هذه النُّقطةَ والمسألةَ -التي هَمس بِها إليَّ الأخُ الفاضلُ-جزاهُ اللهُ خيرًا- هي مِن النَّوعِ الأوَّل -أو قريبةٌ منه-، وبخاصَّة أنَّها صادفتْ معرفةً سابقةً عندي ببعضِ ما ذكرَهُ؛ لكنِّي كنتُ أُمَنِّي النَّفسَ ألَّا أتكلَّم على الملإِ إلا بِمقدارِ الحاجةِ والضَّرورة.

وها هو وقتُ الحاجةِ والضَّرورة قد جاء -بتوفيقٍ مِن ربِّ الأرضِ والسَّماء-..

فأقول -أيُّها الإخوة!-:

لا يخفى على أيِّ مسلمٍ -عالِمًا كان أم جاهلًا، متعلِّمًا كان أم أُميًّا، صغيرًا كان أم كبيرًا- أنَّ نُصوصَ الكتابِ والسُّنَّة مُتضافرةٌ في ذمِّ الفُرقةِ، ومُتوافرةٌ على مدحِ الوِحدةِ والائتِلافِ، وهذا لا يَحتاجُ منَّا إلى كبيرِ سَردٍ، ولا إلى طويلِ استِدلالٍ؛ فالأدلَّةُ -والحمدُ للهِ- مَركوزةٌ في عُقولِنا، ومغرُوسةٌ في أفئِدتِنا.

لكنَّ المشكلةَ التي نُعايشُها -لا أقولُ: اليومَ؛ بل منذُ ألفِ يومٍ ويوم-: مشكلة الفهمِ عن اللهِ ورسولِه مُراداتِهما.

وفي «الصَّحيح»: من حديث عليٍّ -رضي الله-تَعالى-عنهُ- لَما سُئل: أخصَّكم رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- معشَرَ آلِ البيت- بشيءٍ؟ فقالَ -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنهُ-: «والذي خَلَقَ الحبَّة، وبَرأَ النَّسمةَ؛ ما خصَّنا رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- بشيءٍ إلا بِما فيه هذه الصَّحيفةِ، وفَهمًا يؤتيهِ اللهُ عبدًا في كتابِه».

فالفهمَ الفهمَ -يا إخوتي!-..

الفقهَ الفقهَ -يا أحبَّتي!-؛ تبلُغوا، وتَصِلوا، وترشُدوا..

وبِمقدار البُعدِ عن النُّصوص، وبِمقدارِ البُعدِ عن الفهمِ -على وجهِ الخُصوص-؛ يكونُ الهلاكُ، ويكون الدَّمارُ، ويكونُ الباطلُ بأبشعِ صُوَرِه.

هذا -كلُّه- نقطةٌ أُولى.

نقطةٌ ثانيةٌ: أنَّ العملَ للإسلامِ عبادةٌ -سواءٌ أكان هذا العملُ دعوةً، أو تعليمًا، أو إرشادًا، أو أمرًا بِمعروفٍ، أو نَهيًا عن مُنكرٍ-؛ وعليه: فإنَّ كلَّ عبادةٍ يجبُ أن تكونَ مَبنيَّةً على دليلٍ، وعلى حُجَّةٍ مِن هذا القَبيل.

واللهُ -تَعالى- يقولُ: {قُل هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِن كُنتُم صادِقين}.

فليس مجالُ العملِ الإسلاميِّ مَجالَ تَجاربٍ، ومَجالَ أفكارٍ وآراء -نخوضُها اليومَ، ونقفُ غدًا، ونسترسلُ بعدَ غدٍ-!!

هذا باطلٌ من القولِ وزُورٌ، وإفكٌ صاحبُه آثمٌ مأزورٌ! -نسأل الله -تَعالى- العافيةَ-.

ورضيَ الله -تَعالى- على مَن قال -مِن سَلفِنا الصَّالِحين-: «اتَّبعوا ولا تبتدِعوا؛ فقد كُفيتُم، عليكم بالأمرِ العَتيقِ».

ورضي الله -تَعالى- على مَن قال مِنهم -في كلماتٍ رائعةٍ رائدةٍ-: «كلُّ عبادةٍ لم يتعبَّدها أصحابُ محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-؛ فلا تعبَّدوها؛ فإنَّ الأوَّلَ ما تركَ للآخرِ مَقالًا».

نعم -واللهِ-؛ إنَّ الأولَ ما تركَ للآخرِ مَقالًا.

فكيف إذا كانت تِلكُم النُّصوصُ -الآمرةُ بالوحدةِ والأُلفة والجماعة، والنَّاهيةُ عن التَّفرُّقِ والتَّشرذُم والتَّشتُّتِ- مُتضافرةً مُتوافرةً مُتكاثرةً-ضمنَ منهجٍ عمَليٍّ مُتوارَثٍ عنهم-رضي الله-تَعالى -عنهُم-، فيه رفضُ كلِّ انحرافٍ، أو خَللٍ في هذا التَّصوُّرِ الذي يُعطي فئةً من النَّاس -في جسدِ هذه الأمَّة- شيئًا يخصُّها دون الآخرين، ويُمَحوِرُ عليها فئامٍ مِن النَّاس دونَما سواهُم!

نعم؛ فالإثمُ -والحالةُ هذه- أشدُّ!

والبلاءُ -والحالةُ هذه- أنكى!

ولن أُورِد -في هذه الجُزئيَّة- إلا أثرًا واحدًا منقولًا عن إمامٍ من أئمةِ التَّابعين، وهو الإمامُ مُطرِّف بن عبد اللهِ بن الشِّخِّير -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنهُ-، وهو أحدُ أئمَّة التَّابعين، والذين رَوَوا لهم أئمَّة الكتبِ السِّتَّة -في مصنَّفاتِهم-ووالدُه صحابيٌّ-رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُ-، قال: «كُنَّا عند زيدِ بن صُوحان» وزيدُ بن صُوحان في زمانه -وهو مِن كبار التَّابعين- مَحسوبٌ على أنَّه عالِم جليل، يُشدُّ إليه الرَّحلُ، ويَجتمعُ عندهُ القَولُ..

..قال: «كُنَّا عند زيدِ بن صُوحان، فرأيناهم قد نسَّقوا كلامًا، وكتبوا كلامًا: (مَن كان معنا فهو مَعنا، ومَن لم يكنْ معنا فهو علينا، اللهُ ربُّنا، والإسلامُ دينُنا)!».

كلامٌ ظاهرُه فيه الرَّحمةُ..كلامٌ ظاهرُه لا يُخالفُ كتابَ الله، ولا يُناقضُ سُنَّة رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-..

.. لكنْ لَما كان الفقهُ في أعلى درجاتِه، وفي أكملِ حالاتِه ومجالاتِه، موصولًا بثمراتِه ومآلاتِه؛ كان نظرُ العالِم (الموفَّق) غيرَ نظرِ المثقَّف أو المتعلِّم غيرِ الموفَّق! وشتَّان بينهما.. شتَّان!

قال -والكلامُ لمطرِّف-: «فبدؤُوا يدورون علينا ومعهمُ الكتابَ: أقرَرتَ -يا فلان-؟ فيقولُ: أقررتُ.. أقرَرتَ -يا فلان-؟ فيقولُ: أقررت.. أقرَرتَ -يا فلان-؟ فيقولُ: أقررت..»!

لأن الكلامَ -كما قُلنا وأكَّدنا- ليس على ظاهرِه ما يُنكَر، ولا على ألفاظِه ما يُستنكَر!

قال: «حتى وَصلوا إليَّ، وكنتُ أصغرَ القومِ» مُطرِّف بن عبد اللهِ بن الشِّخِّير يقولُ «كنتُ أصغرَ القومِ»، قال: «فقالُوا لي: أقررتَ -يا غُلام-؟» قال: «قلتُ: لا!»، فقال زيدُ بن صوحان -وقد استرعى انتباهَهُ هذا الغلامُ المعارِض-إن جازَ التَّعبير-، فقال: افسحوا للغلام؛ ماذا عندك -يا غُلام-؟! قال: «إني لا أُحدِثُ عهدًا سِوى العهدِ الذي أخذهُ اللهُ -تَعالى- عَلينا في كتابِه»، قال: «فرجعَ القومُ مِن عندِ آخِرِهم، ولم يُقرَّ منهم أحدٌ، وكانوا زُهاءَ ثلاثين رَجلًا».

أوَّلًا: هذا هو الفقهُ المسدَّدُ، الذي هو بالحقِّ مُؤيَّد.

ثانيًا: لا كبيرَ في العلمِ إلا العِلم.

ثالثًا: الحقُّ له بَهاءٌ ونُور.

رابعًا: الرُّجوع إلى الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل.

خامسًا: الجماعةُ رحْمةٌ، والفُرقة عذابٌ.

وعندما نقول: (الجماعة) لا نريدُ ما فررنا منه؛ وإنَّما نُريدُ ما فَرُّوا عنه.

فكلمة (الجماعة) إذا أطلقتْ في الكتابِ والسُّنة إنَّما يُراد بِها جماعة عُموم المسلمين، وليست جماعةً مِن المسلمين.

يستطيعُ كلُّ أحدٍ -في هذه الأيَّام-وبخاصَّة في هذا الزَّمان الذي سُمِّي على غير اسمِه، ولقِّب على نقيضِ واقعِه بـ(زمان الرَّبيع العربي!)- أن يُنشئَ حزبًا.. جماعةً.. جبهةً.. أن ينشئَ تنظيمًا.. حركةً..!

يستطيع كلُّ أحد أن يجمعَ معهُ خَمسين نفرًا ليؤسِّسَ حزبًا وحركةً!

وأمَّا الأسماءُ؛ فحدِّث بكلِّ حرج! -ولا أقول: فحدِّث ولا حرج-!

أمَّا الألقاب؛ فحدِّث بكلِّ حرج!!

هنالك من يُسمِّي نفسَه: (جماعةَ المسلمين)!

وهنالك من يُسمِّي نفسَه: (جماعةَ أهل الإسلام-أو الإيمان-)!

وهنالك من يُسمِّي نفسَه: (الحزبَ الإسلاميَّ) أو (حزبَ النَّور) أو (حزبَ الهدى والنُّور)!!

فاعلموا -يا عبادَ الله-.. فاعلموا -يا إخوتي في اللهِ- أنَّه: لا نور، ولا هُدى، ولا حقَّ، ولا صوابَ، ولا سدادَ؛ إلا بِما كان عليه سلفُنا الأوَّلون -من وحدةٍ وائتلافٍ واتِّفاق، وبُعدٍ عن التَّشتتِ والتَّشرذُمِ والتَّمحوُرِ والتفرُّق والتَّحزُّب-.

وما لنا نُبعدُ كثيرًا والحديثُ في «الصحيحين»: أنَّ رجلًا من المهاجِرين تعارك مع رجلٍ من الأنصار، فضرب أحدُهما الآخرَ، فخرج المهاجِرون يقولون: (يا لَلمهاجِرين!) وخرج الأنصارُ يقولون: (يا للأنصار!)..

كلٌّ ينتصرُ إلى فئتِه، وكلٌّ ينتصرُ إلى جماعتِه -مع أنَّ مصطلح (المهاجِرين) مصطلحٌ قُرآني، ومصطلح (الأنصار) مُصطلحٌ قُرآني، ولم يأخذ كِلا المُصطلَحَين عزَّهما وفخارَهما ومَجدَهما وعلياءَهُما إلا مِن الصُّحبةِ والهجرة مع النَّبيِّ المصطفى-عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

ومع ذلك: لَمَّا خرجوا كلٌّ منهم يقول: (يا لَلمهاجِرين!).. (يا للأنصار!).. خرج النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-مُغاضِبًا- وهو يقولُ: «أدَعْوَى الجاهليَّة وأنا بين أظهُركم! دَعُوها؛ فإنَّها مُنتِنةٌ».

هذا قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- في بدايةِ الافتراقِ، وفي أوَّل التَّحزُّبِ والتَّشتُّتِ، مع أنَّ هذا الافتراقَ لم تتبلوَرْ صُورَته، ولم تظهر حقيقتُه؛ لكنَّ الإسلامَ لا ينتظرُ الأمورَ في نِهاياتِها حتى يُعالِجَها؛ وإنَّما يبتدئُ معها في بداياتِها حتى يَبترَها ويقطعَها ويحسمَ أمرَها، وهذا هو الحقُّ.

ولعلَّ هذا هو الدَّافعني أن أتكلَّمَ بهذه الكلمةِ -من غير تَهيئةٍ، ولا تحضيرٍ-؛ وإنَّما قد يكون ذلك إثرَ تلكُم الكلمةِ -التي أسلفتُ القولَ بشأنِها-في بدايةِ المجلس-.

عندما نسمع في هذا البلد الطيِّب المُبارك الذي نالَتْهُ -شِئنا أم أَبَينا، شاء مَن شاء، وأبَى مَن أبَى- بركةُ بلادِ الشَّام، ورحمةُ ربِّ الأنام، ودعاءُ رسولِ الإسلام-عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ لكونِه لُبَّ بلادِ الشَّام، وأقربَ الأمكنةِ عن البِقاعِ المقدَّسة الطَّاهرةِ المُباركة -التي بارك الله فيها وحولها-..

ومع ذلك؛ فنحنُ نقول: هذا البلد كسائرِ البُلدان -سواءٌ في إطارِه العام أو إطارِه الخاصِّ، سواءٌ على المستوى الرَّسميِّ، أو على المستوى-كما يقولون-الشَّعبي-؛ النَّقصُ موجود، والخللُ موجودٌ، والتَّقصيرُ موجود؛ فمُقلٌّ أو مُستكثر؛ لكنَّ الفقيهَ (الموفَّقَ) -أكرِّر- هو الذي ينظرُ إلى خيرِ الخيرَين، وشرِّ الشَّرَّين؛ لِمعالجةِ النَّقصِ، واستدراكِ الخللِ، ومعرفة الانحرافِ -لتسديدِه-، والهُدى -لتأييدِه-.

أقول: عندما نسمعُ في مثل هذا البلدِ عن إنشاء أحزابٍ ليبراليَّة، أو علمانيَّة، أو شُيوعيَّة، أو وطنيَّة، أو إقليميَّة، أو -حتَّى- إسلاميَّة؛ فهذا يكادُ يكونُ أمرًا موجودًا، وأمرًا واقعًا -لا مردَّ له-؛ لكنْ: عندما نسمعُ عن مزاعم تُنادي بإنشاءِ حزبٍ سلفيٍّ؛ فأنا أقول: هي بداية النِّهاية!

ليست بداية النِّهاية للدَّعوة السَّلفيَّة؛ فالدعوةُ السَّلفيَّة -من قبلُ ومن بعدُ- هي دعوة العلم والتعلُّم والتَّعليم، والتَّصفية والتَّربية والأُلفة والمحبَّة والمودَّة، المَبنيَّة -في ذلك كلِّه- على: (قال اللهُ.. قال رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-)، والتي لا كبيرَ فيها إلا العلمُ، والتي لا مُقدَّم فيها إلا أهلُ العلم -بغضِّ النَّظرِ عن أعمارِهم، أو أعمالِهم، أو تواريخِهم، أو أزمنتِهم، أو سيرتِهم الذاتيَّة-أو غير هذا وذاك-؛ هذه كلُّها تنفعُ في الشَّركاتِ والأحزاب والمؤسَّسات..

أمَّا في الدَّعوةِ السَّلفيَّة -التي ليس فيها لا جبهة، ولا حِزب، ولا تنظيمٌ، ولا حركَة-.. إنَّما هي دعوةٌ فِطريَّة جِبِليَّة طَبيعيَّة، ليس فيها إلا (قال اللهُ.. قال الرَّسول).. وها نحنُ -اليوم- قد قطعنا -في هذا الكتابِ- أكثر من مائتَي مجلسٍ في الفقه، ودرَّسنا في العقيدة أكثر مِن ثلاثِمئة مجلسٍ، ودرَّسنا في الحديث أكثرَ من خمسمئةِ مجلسٍ -على مدارِ ثلاثين سَنة-والحمد لله-ونسأل اللهَ حُسن الختام، والإخلاصَ في سبيلِه، والوفاةَ على الإيمان-..

.. أقول: طيلة هذه السَّنوات الثَّلاثين؛ فليقلْ لي أحدٌ، أو ليذكِّرني أحدٌ بأنَّنا مرَّة أخذنا -في مجالسِنا- حضورًا وغيابًا، أو عدَدْنا عددَ الرُّؤوسِ الموجودين أو عددَ الرؤوسِ الغائبين، أو قُلنا: أنت نائب.. وأنت مُساعد.. وأنت مُراقب.. وأنت أمير.. وأنت أسير.. !؛ كل ذلك لم يكنْ، و(لن) يكون!

فالذي يريد أن يُشوِّه هذه الصُّورةَ النَّقيَّة بأن يَجعلَ الدَّعوةَ السَّلفيَّة في حزبٍ -لتكونَ بعيدةً عن النَّاس، بعيدةً عن أمورِ المسلمين، نائيةً بنفسِها عن جَماعتِهم-؛ فلا يلومنَّ إلا نفسَه!

لا أقول هذا تهديدًا؛ أعوذ بالله! ليس من لَهجتِنا التَّهديد؛ ولكنِّي أقول -لهُ- هذا؛ لأنَّه يحكمُ بنفسِه على نفسِه بالخسارةِ في دينِه، والخسارة في دُنياه!

أمَّا الخسارةُ في دينِه: فسيعرفُ النَّاسُ أنَّ السَّلفيَّة لم تكنْ -ولن تكونَ-يومًا من الأيام- دعوةً حزبيَّة، أو دعوة عنصريَّة، أو دعوةً فلسفيَّة، أو دعوة يُرادُ بها تحقيقُ المصالح -فلان رئيس، وفلان وزير، وفلان نائب-..!

وأنا أعلمُ أن من النَّاس -لا أقول: من يسيلُ لُعابُه-؛ بل من يسيلُ دمُه ودموعُه إذا وُعد -ولو بالخيالِ- بأن يكونَ نائبًا! فكيف إذا وُعد أن يكونَ وزيرًا؛ فالأملُ يحبوه أن يُصبحَ -في الغدِ القريب- رئيس وُزراء!

وما المانع؟!!

ما الذي جعل فلانًا وفلانًا في أكثر وزارة -في هذا البلد- تمكث سَنة؛ يعني ممكن -بعد فترة- رئيس وزارة لكلِّ مواطن!! وانتهت المشكلة -وللأسف الشَّديد!-..

فالمهيَّأ في مرضِه النَّفسي، وفي خَللِه الوجداني لمثلِ هذه المناصب -التي لا ينظر فيها إلا من خلالِ أهدافِه الخاصَّة، وآرائِه الذَّاتيَّة، وأفكارِه الشَّخصيَّة-؛ حينئذٍ: ماذا تنتظرُ أن يكونَ منه مصلحةٌ للوطن؟!!

مصلحةُ الوطن لا تنتظرُ أن تكونَ حزبًا..

مصلحةُ الوطنِ لا تنتظرُ أن تؤسِّس جبهةً..

تستطيعُ -وأنتَ فردٌ- أن تنفعَ الوطنَ -كلَّه-، والبلدَ -كلَّه-، والمسلمين -كلَّهم-؛ إذا رُزقتَ العلمَ والفقهَ -مِن جهةٍ-، والإخلاصَ والمتابعة لرسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-من جهةٍ-.

فمشايخُنا وعلماؤُنا كانوا أفرادًا، ومع ذلك نفعَ اللهُ -تَعالَى- بِهمُ البلادَ والعبادَ، ولا تزالُ آثارُهُم مُشرِقةً مضيئةً مُنيرةً في الدُّنيا -كلِّها-، ونرجو أن يكونَ ذلك موصولًا إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها.

ومن عجبٍ -أيها الإخوةَ-:

أن بعض الناسِ -مِمَّن توهَّموا، وتصوَّروا، وزعموا، وتَخيَّلوا أنهم يُريدون إنشاءَ تحزُّبٍ-فيما زعموا أنه تحزُّب سلفيٌّ!-في هذا البلد- نظروا إلى التَّجربةِ المصريَّة فيما سُمِّي بـ(حزب النُّور السَّلفي!)!

وقد قُلنا كلمتَنا -منذُ اللحظةِ الأُولى-، ونصحناهم -منذُ اللحظةِ الأولى-:

هذه الجهود، وهذه الأموالُ، وهذه التحالُفات؛ واللهِ، وتالله، وبالله؛ لو أُنفقتْ في سبيل الدَّعوة، وفي سبيل تعليم النَّاس ما يجهلون، وما يكونُ سبيلَ التَّقويةِ لإيمانِهم -فيما هم لربِّهم يَعبُدون ويتَّقون-؛ لنالُوا أعظم الخيرِ، وأجلَّ الأجر.

لكنَّهم -للأسف!- نازعوا أهلَ السياسةِ سياستَهم، ونازعوا أهلَ الرياسةِ رئاستهم، ونازعوا النَّاس على أصواتِهم وأصابِعهم!!

أيها الإخوة:

الدَّعوةُ السلفيَّة: دعوة الإسلام، ودعوة القرآنِ والسُّنة -على منهج سلفِ الأمَّة-..

ليست دعوةً حزبيَّة، ولا سياسيَّة، ولا إقليميَّة، ولا عنصريَّة، ولا حركة، ولا تنظيم وو .. إلخ؛ وبالتالي: فهي تُريد للنَّاس، ولا تُريد مِن النَّاس.

بينما أيُّ حزبٍ، وأي جبهةٍ، وأي جماعة، وأي حركة تُريد مِن النَّاس أكثرَ مما تُريد للنَّاس!

تُريد من النَّاس التبرُّعات..

تريد من النَّاس الأصوات..

تُريد من النَّاس -غدًا- المظاهَرات..!

تريد مِن النَّاس -بعد غدٍ!- التَّأييد للسِّياسات..!!

وهذا -كلُّه- مِمَّا تأباهُ دعوةُ الإسلام.

دعوةُ الإسلام مَبنيَّة على ما قاله رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-: «الدِّينُ النَّصيحةُ، الدِّينُ النَّصيحةُ، الدِّينُ النَّصيحةُ» قالوا: لِمن -يا رسول الله-؟ قال: «للهِ، ولِكتابِه، ولرسولِه، ولأئمَّةِ المسلمين وعامَّتهم».

ليس لنا أمام النَّاس إلا الكلمة الطيِّبة.

في حديث جريرِ بن عبد الله البَجلي في «الصَّحيحَين» قال -رضيَ اللهُ عنهُ-: «بايَعَنا رسولُ الله -أو: بايَعْنا رسولَ الله- على السَّمع والطَّاعة، ولو على أثَرَةٍ من أنفسِنا، وأن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه، والنُّصحِ لِكلِّ مُسلم»، قال: «وكان يُلقِّننا: (فيما استطعتَ)»؛ لأن هذه الكُليَّة قد لا تستطيعُها النُّفوسُ البشريَّة، والله -تعالَى- يقول: {واتَّقوا اللهَ ما استَطَعتُم}؛ فجاء التَّطبيقُ النَّبويُّ مِن رسولِ الإسلامِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ليتواءَم مع طبائعِ البشر، ومع حقائقِ النُّفوس في أن يكونَ ذلك فيما استطعتُم.

أيُّها الإخوةُ في الله:

إنَّ نُصرةَ الوطنِ، والعملَ على حِمايتِه، والحرصَ على رِعايتِه أمرٌ مَجبولةٌ عليه نُفوسُ المؤمنين، أمرٌ واجبٌ على كلِّ مُسلمٍ -بِحسب ما هو قادِرٌ، وبحسبِ ما هو مُستطيعٌ له-، فما أقدر عليهِ قد لا تقدرُ عليه، وما تقدرُ عليهِ قد لا يقدرُ عليه.. وهكذا النَّاس درجات، هذا شيءٌ طبيعيٌّ -وطبيعي جدًّا-..

لكن؛ أن نُلبِّس مصالحَنا الشخصيَّة وأطماعَنا الذاتيَّة -في المناصبِ والزَّعامةِ والرئاسة- العملَ الإسلامي، أو تأسيسَ الأحزاب الإسلاميَّة؛ فهذا عكسُ مقصودِ الشَّرعِ، وهذا ضدُّ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّة، واللهُ -تَعالَى- يقولُ: {وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَميعًا وَلا تفرَّقُوا}.

نسألُ كلَّ سائل: هذه الحزبيَّة -التي أنت قائمٌ بها، أو داعٍ إليها-؛ في أيٍّ مِن قِسمي الآية هي: أهي في قِسمِ الاعتِصام؟ أم في قسمِ الفُرقة؟

لا إخالُ عاقلًا -ولا أقول: عالِمًا!- إلا ويعترفُ أنَّ هذا التَّحزُّب -مهما كان اسمُه، ومهما تَنوَّعَ لقبُه-حزب.. جبهة.. حركم.. جماعة.. تنظيم.. إلى غير ذلك- إنَّما هو من القسم الثَّاني -تلبُّسًا بالفُرقة، ووقوعًا في التَّشتُّت، وانصهارًا في التَّحزُّب-؛ وإلا سنسألُه: هل هذا التَّحزُّب الذي أنتَ به، أو داعٍ إليه:

هل هو جائزٌ لك -فقط-؟ أم جائزٌ لك ولغيرك؟

إذا قال: (جائزٌ لي -فقط-)؛ فنقول: بأي دليل؟!

هل هناك من الشَّرع ما خصَّك أنتَ وجماعتَك بجوازِ التحزُّب دون عمومِ الأمَّة؟!

لا يستطيعُ إلا أن يقول: (لا)! فحينئذٍ ليس له إلا الجواب الآخر؛ أن يقولَ: (لي، ولغيري)!

فنقول: إذا كان لكَ ولغيرِك؛ هل لذلكَ حدٌّ؟ أم ليس له حدٌّ؟!

لا يستطيع أن يقولَ: (لذلك حدٌّ)! يعني: فقط يجوزُ أن تُقامَ أربعُ جماعات، أو يجوزُ تُقامَ سبعة أحزاب، أو خمس جماعات..!

اليوم نحنُ في عالَم المصطلحات، في عالَم مُصارعةِ المصطَلحات، على حدِّ قول الشَّاعر:

ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موقعِها .. كالهرِّ يحكي انتفاخًا صَولةَ الأسدِ!

هذا هو الواقع ما له من دافعٍ..

إذن: لا يستطيعُ العاقل -ولا أقول: العالِم-للمرةِ الثَّالثة- إلا أن يقولَ: هذا أمرَ لا حدَّ له، ولا حصرَ له.

فنقول: هل الإسلامُ -لا أقول: يأمر؛ بل أسأل- هل الإسلامُ يُبيحُ أن يكونَ في الأمَّة أحزابٌ وفِرق وجماعاتٌ وتنظيماتٌ وحركاتٌ وجبهات.. إلى ما لا حدَّ لها؟!

أيُّ عقلٍ هذا!! -ولا أقول أي علمٍ هذا!!-..

الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «الجماعةُ رحمةٌ، والفُرقة عذابٌ».

لذلك: استمعوا -أيها الإخوةُ- لِما قال الإمامُ الشَّافعي محمَّد بن إدريس المُطَّلِبي، أبو عبد الله، الذي لقَّبه أهلُ مكَّة بـ(ناصرِ الحديث) -نسأل اللهَ أن يجعلَنا على نسقِه-حقيقةً لا ادِّعاءً، وعلمًا لا تبعيَّةً-.. يقول -رحمهُ الله-: «الجماعُة جماعتان: جماعةُ أفهامٍ، وجماعةُ أبدانٍ».

هؤلاء المتحزِّبون المفرِّقون المشتِّتون إنَّما هم ينظرون -أوَّل ما ينظرون- إلى الجماعةِ في صُورَتِها الثَّانية -وهي جماعة الأبدان!-؛ وبالتَّالي: فلن يكونَ عالِي نظرِهم، ولا رفيعُ اجتهادِهم واهتِمامِهم فيما يتَّصل في جماعةِ الأفهام -والتي هي الأصلُ والأساسِ في الاجتماعِ مع النَّاس-.

الله -عزَّ وجلَّ- في القرآنِ الكريم ذكر آيتَين فيهما وصفان لفئتَين: الفئةُ الأولى فردٌ من النَّاس، والفئةُ الثَّانية جماعةٌ من النَّاس، للفردِ أعطى وصفَ الجماعةِ، وللجماعةِ أعطى وصفَ الفَرد؛ فقال عن إبراهيمَ: {إنَّ إِبراهيمَ كانَ أُمَّة} وكلمةُ (أمَّة): تعني الجماعةَ -مِن جهةٍ-، وتعني مَن يُؤتمُّ به -من جهةٍ أخرى-.

وبالمقابل: عندما ذكر اليهودَ ماذا قال؛ {تحسبُهم جميعًا وقُلوبُهم شتَّى}.

عندما يكون الحزبُ قائمًا على تقاسُم السُّلطات -أنتَ أميرُ منطقةِ كذا.. وأنت رئيس منطقة كذا.. وأنت القائمُ على لجنةِ كذا.. وأنت الموكَّل بفئةِ كذا..-!

ماذا تنتظرُ في البداياتِ أن تكونَ النِّهايات؟!!

فما أجملَ ما قيل: (من لم تكنْ بدايتُه مُحرِقة؛ لن تكونَ نِهايتُه مُشرِقة)!

مُحرِقة في إخلاصِها..

مُحرِقة في صِدقِها وحُسن توجُّهها..

لن تكونَ مُشرِقةً في ثَمراتِها وإيجابيَّاتها ومآلاتِها..

فكيف إذا كان العكسُ هو الموجودَ القائم: أن تكون البداياتُ مُحرقةً في اقتسامِ المناصب، وفي الوعود -فيما هو أعلى!-فضلًا عن الوعود بالأموال-..

والرسولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول -واسمعوا هذا الحديثَ-أيُّها الإخوة-: «ألا إنَّ الدِّينارَ والدِّرهم قد أهلكا مَن كان قبلكَم، وهُما مُهلِكاكُم».

ويقولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «ألا إنَّ لكلِّ أمَّة فتنةً، وفتنةُ أمَّتي: المال».

فالهُدى -كلُّه- في الأُلفةِ المَبنيَّة على الكتابِ والسُّنَّة..

والنُّورُ -كلُّه- في الألفةِ المَبنيَّة على الكتابِ والسُّنَّة..

والهدى والنُّور -كلُّه- في مُجانبةِ التَّحزُّب والتَّشتُّت -تحت أي اسمٍ كان، وتحت أي وصفٍ كان-جبهة.. حزبًا.. جمعيَّة.. جماعة.. حركةً.. تنظيمًا-؛ كلُّ ذلك لا وزنٌ في الشَّرع إن لم يكنْ مبنيًّا على العِلم الذي تجتمعُ عليه القلوبُ قبل العقول، فضلًا عن أن يكونَ ذلك سبيل فُرقة وتشتُّتٍ وتَمحوُرٍ -يزيدُ الأمَّة فتنةً على فتنتِها، ويزيدُ الأمَّةَ بلاء فوق بلائِها-.

(حزبُ النُّور -المصري-) إنما فاز بما فاز في الانتخابات -التي عرفَها مَن عرف!-، فظنَّ المقلِّدُ أنه سيكونُ مُشابًها لِمُقلَّدِه، فأراد أن ينشئَ كإنشائِه، وأن يفعلَ كفِعلِه؛ لكنه أخذ الأمورَ بعينٍ واحدةٍ، ولم ينظر إليها بعَينينِ -اثنتَين-!

فنظر إلى (حزبِ النُّور) من حيثُ نتائجهُ الأولى التي كانت للمرَّة الأولى والنَّاس لا يعرِفون ماذا عنده إلا أنَّهم أصحاب لِحًى وأصحاب دِين، وعامَّة المسلمين يُحبُّون أهل التَّديُّن، ويثقون بِهم، ويطمئنُّون لَهم -مع أنَّ أكثرَ أهل التديُّن-وللأسف!-ليسوا على مستوى المسؤوليَّة المطلوبة! -{وما أُبرِّئُ نفسي إنَّ النَّفسَ لأمَّارةٌ بالسُّوء}-..

..أقول: إذا كان هذا حالَ هؤلاء مِن أهل التديُّن؛ فكيف سيكون حالُ غيرِهم؟!!

لا شكَّ وأن الأمرَ أشدُّ!

ولكن.. وها هي قد مضتْ بضعةُ أشهر، وها [هو] المجلس النِّيابي المصري قد مضى عليهِ بضعةُ أشهر، وها هي انتخابات الرِّئاسة على الأبواب، وها هي الصُّوَر السَّوداء المُظلِمة بدأت تتكشَّف وتَظهر ويعرفُها الغادي والرَّائح..

انظُروا -الآن- كيف سُمعة هؤلاء النَّاس -سواء مَن لُقِّبوا بـ(حزب النُّور!)، أو غيرهم-مِمن قبلهم، أو مِمن بعدهم-؛ ماذا آلتْ حالُهم، وماذا انتهتْ أحوالُهم، وكيف ينظر النَّاس -الآن- إليهم؟!

ولو أنَّ الزَّمان عاد دورتَه: هل قبِلهم النَّاس وتقبَّلوهم كمثلِ ما قبِلوهم وتقبَّلوهم مِن قبلُ؟!

الحقيقة كما قال ابنُ مسعود -رضيَ اللهُ عنهُ-فيما رواهُ عنه الإمامُ مسلم-رحمهُ الله-في «صحيحه»- قال: «السَّعيدُ مَن وُعظ بغيرِه».

هؤلاء النَّاسِ الذين غرَّهم لسان عذب، ووعدٌ كاذب، وقولٌ خائب في أن يكونَ لهم أوزان، أو مناصب، أو أموال، أو حُشودٌ، أو جُموع، تداعبُ مَكنوناتِ صُدورِهم، وتلامسُ مَطالب دواخل نفوسِهم.. لو فكَّروا التَّفكير العلميَّ الصَّحيح؛ لعرفوا أنَّ ما هُم مُقبِلون عليه فيه نهايتُهم؛ لأن الخصمَ أكبرُ منهم، ولأنَّ الخصمَ عنده -في سبيل المعركةِ التي يخوضُها- كلُّ شيء مفتوح، وكل مجالٍ مفسوح؛ بينما أنتَ -بِما عندك من بقيَّة دِين- لن تنزلَ إلى درَكِه، ولن تَهبطَ إلى أرذل مستواه؛ فالمعركة خاسرة!

وتقوى الله هي بابُ النجاةِ والنَّجاح، والتحزُّب مِما يُنافي تقوى الله، والتَّفرُّقُ مما يُنافي نُصوصَ الشَّريعةِ من الكتابِ والسُّنَّة.

هذه كلمةٌ لا أقولُ فيها ما قلتُ إلا مُنطلقًا من قولِ رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-: «الدِّين النَّصيحة»؛ لعلَّ اللهَ -تعالَى- يُلهمنا رُشدَنا، ويعيذَنا من شُرور أنفسِنا، ويهدي مَن ضلَّ مِن إخوانِنا، ويردَّ إلى الحقِّ مَن يُفكِّر بتحزيبِ دَعوتِنا؛ بل بتخريبِ دَعوتِنا؛ ولكنَّ هذا الخرابَ لن يكونَ له نوالٌ إلا لهُ ومَن معه؛ لأنَّ الدَّعوةَ لا يُمثِّلُها إلا النَّصُّ والعِلمُ، لا يُمثِّلُها الأشخاص -لأنَّ ليس فيها أميرٌ وناطقٌ رسميٌّ وعضوٌ مُؤسِّس ولَجنة تحضيريَّة.. وغير ذلك -مَن مناصب موهومة، أو مدعومة، أو مزعومة-؛ الدَّعوة أبعدُ وأرفعُ وأعظم وأجلُّ -مِن هذا-كلِّه-..

وبالتَّالي: الخسارة -أوَّل ما تكون- لهؤلاء الأدعياء -الذين يُريدون أن يُظهروا النَّاس على شيء-، والحقيقةُ تكونُ شيئًا آخر -إن لم يكنِ المآلُ شيئًا ثالثًا-.

وصلى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالَمين.

 

تفريغ أختكم / أم زيد(*)

 

   طباعة 
31 صوت
روابط ذات صلة

الدروس المتشابهة الدرس التالية
Powered by: MktbaGold 6.5