في مسألة(تكبيرات العيد)

في مسألة(تكبيرات العيد)
88 زائر
17-08-2020 12:02
عليّ بن حسَن الحلبيّ الأثَريّ

في مسألة(تكبيرات العيد)
:
هذا-أيضاً-رأيُ(السادة الشافعية!)-يا كِرامُ-!

نقَل التاج السُّبْكيّ في"طبقات الشافعية الكبرى"عن أبي حامدٍ الإسفرايينيّ أنّه قال لطاهرٍ الْعَبَّادَانِي-رحمهما الله-:
(لَا تُعلِّق كثيراً مِمَّا تسمعُ منّي فِي مجَالِس الجدَل! فَإِن الْكَلَام يجْرِي فِيهَا على ‌خَتْلِ ‌الْخصم! ومُغالطته! وَدفعه! ومُغالبته..!)!
...تذكّرتُ هذا الكلامَ العلميَّ الإيمانيّ التربويّ-العاليَ-هذه الأيّامَ-لَـمّا رأيتُ بعضَ مَن صُدِّر! وتصدَّر(!)قد جعلـ/ـوا العلمَ الشرعيَّ باباً للمُناكَدة-هداهـ/ـم الله-سبحانه في عُلاه-!
فقد شغلونا عن الأهمّ-بل المهمّ-! بمنقولاتٍ ضعيفة! ومقولاتٍ مضطربة!!
ولئنِ اعترفَ ذلك العالمُ بهذا السبيلِ-على هذا المعنى-؛ فإنّي على إياسٍ أن يعترفَ (غيرُه!) بمثلِ هذا الاعترافِ-نفسِه!-! أو حتّى ما يَقرُبُ منه!!
فكما أنّ النفوسَ غيرُ النفوس! فإنّ العقولَ غيرُ العقول! والقلوبَ غيرُ القلوب!
هذه نُقطةٌ.
وأمّا النُّقطةُ الأخرى-وهي ذاتُ صِلةٍ بها-؛ فهي بيانُ:
فَرْقِ ما بين المتعصّب المذهبيّ، والمذهبيّ غير المتعصّب(أو قُل: المتّبع-لا فَرْق!-):
أنّ الأوّلَ: يجعلُ جُلَّ جَهدِه تقويةَ المذهب-ولو على حسابِ الدليل!-، بينما المذهبيُّ غيرُ المتعصّب-اتِّباعاً-: تراه(يدورُ مع الدليل حيثُ دار)-وجوداً وعدَماً-!
فالحُجّةُ-عند المتعصّب!-هي رأيُ المذهب-لا غيرَ-!
ويلزَمُ مِن هذا(التقليد)-المتعصُّب!-ولا بُدّ!-: صحّةُ كلِّ قولٍ! منسوبٍ إلى أيِّ مذهب!-بالرُّغم مِن وجود كلّ الاختلافاتِ والتبايُنات المعروفة بينهم!-؛ فلا إنكار! ولا ردّ! ولا أحدَ يُخالفُ أحداً! وكلُّهـ/ـم صوابٌ في صوابٍ!
كما قال قائلُهم: (...وكلُّهم مِن رسول الله مُلتمِسُ!)!
ولو كان ذلك كذلك-على الحقيقة-: لاستوتِ المذاهبُ-كلُّها-، وانتفتِ المفاضَلةُ بينها! ولانْفَضَّتِ الصراعاتُ التاريخية(!)بين مقلِّديها!
وهذا-كلُّه-خيالٌ-مِن جهةٍ-، وخِلافُ ما عليه الأئمّةُ المعظِّمون للدليل مِن أهل المذاهب الأربعة-وما أكثرَهم!-مِن جهةٍ أخرى-!
ولا يَهُمُّنا-في هذا المقام-كثيراً!-التلقيباتُ! والمصطلَحات! والتسمياتُ: (تقليد)! (اتباع)! (اجتهاد)! ما دام البحثُ العلميُّ هو الرائد! والجوُّ الشرعيُّ هو السائد-دون أن يكونَ التعصُّبُ هو القائد-!
ومِن جهةٍ ثالثةٍ: ليس في هذا التنبيهِ العلميّ الواقعيّ(!)أدنى/أيُّ=انتقاصٍ بأيِّ مذهبٍ مِن المذاهب الأربعة-مِن حيثُ هي-كما قد يستغلُّه-بالباطلِ-بعضُ المتعصّبة! أو النفعيّين!-؛ فنحن عالَةٌ على كُبرائهم! وتلاميذُ في مدرستِهم!-! مع الإقرار الحاسمِ ببشريّتهم-أجمعين-رحمهم الله-مِن جهةٍ رابعةٍ-.
ومَن فهم منّا! أو نقل عنّا: الطعنَ! أو الغمزَ! أو الإساءةَ لأيِّ مذهب؛ فهو مُبطِلٌ، مُفتَرٍ، أفّاكٌ!
ثمّ إنّ أغلبَ العلماءِ المذهبيّين-رحمهم اللهُ-لم يكونوا متعصّبين؛ بل كانوا حريصينَ-أشدَّ ما يكونون-على الدليل: يتّبعون ما ترجّح لهم منه-ولو خالَف المذهبَ-!
وهذا مَرْبطُ البفَرَس-كما يقولون-!
والناظرُ في الخلافِ الفقهيّ-بين علماء المذاهب-بعضِهم لبعضٍ-رحمهم الله-: يرى دلائلَ ذلك بيِّنة-مُتكاثِرة-، وجليّةً-مُتضافرة-مهما حاول المتعصّبةُ تأويلَ ذلك! أو ردَّه! أو تعطيلَه!-!
أقولُ:
كان لا بُدّ مِن البدءِ بهذه الكلماتِ الوجيزات-في هذا المقالِ-منذ أزمان!-، ولكنْ: لكّل زمان عُنوان!
ولو كتبتُها مِن قبلُ: لكان لِزاماً عَلَيَّ تَكرارُها-الآن-في هذا الأوان!
..فلقد تعقّبَني-دونَ ذِكر اسمي!-أحدُ المتفقّهة-سدّده الله-ويا حبّذا التعقُّبُ لو كان علميّاً!-في مسألة(تكبيرات صلاة العيد)-ناقلاً ذلك عن أحدِ مجالسي التعليميّة-في بعض المساجد الأردنِّيَّة-عمّرها الله بطاعته وامتِثالِ أمرِه-شرحاً لكتاب"الإقناع"-للإمام ابن المنذر-سنةَ(2002هـ)-(وقد كمَلَ الشرحُ في نحو مئةٍ وثمانين مجلساً-ولله الحمدُ-)-قبلَ عدّة سنوات-!
ومِن تفريغِ بعضِ الطلبة لبعض المجالس المسجَّلة منه صوتياً-وقد انتشرت على الإنترنت قبل سنوات-أيضاً!-وذلك بتاريخ: (24/3/2017)-: أخذ المعترضُ كلاميَ الذي انتقدني(!)به-!
وقد جعَل المعترِضُ عنوانَ كتابته: (ما رأي السادة الشافعية في هذا المنشور!؟)!
وحبّذا-مرّةً أُخرى!-لو كان العنوان: (ما القولُ الراجحُ-بالدليل-في هذا المنشور)!
و...كلُّنا ذوو خطأ-يرحمُنا اللهُ وإيّاكم-..
وأتمنّى مِن أيّ مُعترِض(..)أن يستعملَ كِلْتَي عينيه! على نحو ما استعمل إحدى يدَيه؛ بحيث يرى ما يُكتَب عنه! بعد أن أَرى(يُري!) ما أرادَ منه-غيرَ مُكتَفٍ بهذه القراءة! دونَ تجرُّدٍ وإنصافٍ-!
وما أجملَ ما ثبَت عن الصحابيّ الجليلِ عمّارِ بن ياسر-رضي الله عنهما-في وصفِه(الإنصافَ مِن النفس)بأنّه مِن علاماتِ الإيمان!
ثم ساق المعترضُ كلامي-الآتي نقلُه-كلَّه-بدون تعليق!-على طريقة الإيحاء الذِّهنيّ التأثيريّ!! ممّا دفَع عدداً مِن قرائه(!)أن يُعلّقوا على كلامي تعليقاتٍ سفيهة! فجّة! ليس فيها بحثٌ علمي! ولا مُناقَشة فقهية!
وذلك منهم-غفر الله لهم-على طريقة:
سارت مُشرِّقةً وسِرتَ مُغرِّباً**شَتّانَ بين مُشرِّقٍ ومُغرِّبِ!
..فلا نحتاجُ لردِّ كلامِهم! أو مُواجهتِه بمثلِه-أجلَّكم اللهُ-!
وهذا نصُّ كلامي-تامّاً-كما ساقه المعترضُ-:
(والتكبير أن يقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر لا إله إلا اللَّه، والله أكبر ولله الحمد.
كذلك قَالَ عمر، وعلي، وابن مسعود .
هذا هو الواردُ من صيغ التكبير، وهي أجمع وأحسن وأصحّ صيغة وردَت عن الصحابة - رضي الله عنهم .-
فاليوم صار التكبير في العيد قصائد وموشحات ؛ مثل : (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، وعلى أزواج محمد...-إلخ-).
تشعر أنها قَصص وحكايات ما أنزل الله بها مِن سلطان .
فنكرّر، ونقول: إن خير الهدي هدي محمد-صلى الله عليه وآله وسلم-.
إذن؛ هذه الزيادات-التي لا أصلَ لها-فوق أنها تُتعِبك-يا عبد الله-؛ فهي تخالف سنّةَ نبيِّك-صلى الله عليه وآله وسلم -.
الذي يحدثُ-اليومَ-خلافُ السنة-أيضاً-؛ فإنّ معظم الناس-اليومَ-لا يُكبِّرون إلا أدبارَ الصلوات المكتوبات–الخمس-؛ أما ما دون ذلك-مِن رواحهم، وغُدُوِّهم، وفي أسواقهم، وفي أوقاتهم، وفي أعمالهم، وفي طرقاتهم-؛ فذلك لا يفعلونه، فالتكبير عامٌّ، فيبقى عامّاً.
أمّا أن نخصَّه دبرَ الصلوات الخمس؛ فلذلك: لا يجوز تخصيصُ ما لم يخصِّصه النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-)ا.هـ.
قلتُ:
وقد تضمّن هذا التعليقُ الفقهيّ مسائلَ عدّةً:
أولاً-بيان صِيغ (التكبير)-الشرعية-، المنقولة عن الصحابة الكِرام-رضي الله عنهم-.
ثانياً-التعليق على (الزيادات!)التي يزيدها الكثيرُ مِن العامة، وبعضُ المتفقّهة.
ثالثاً- الحكم على هذه (الزيادات!) أنها: لا أصل لها في السنة.
رابعاً-وصفُ هذه (الزيادات!) التي(لا أصل لهـ/ـا في السنة)-وهو وصفُ تنفيرٍ عنها!-بأنها:
أ-كالقصائد والموشَّحات!
ب-الشعور(!)بأنها قَصص وحكايات ما أنزل الله بها مِن سلطان!
ج- أنها تُتعِب الذاكرَ لها!
خامساً-استنكار (تخصيص!)التكبير بأدبار الصلوات-جماعةً-[ثلاثَ مرّات]!
وها هنا تنبيه:
ألّفتُ في"أحكام العيدين"رسالةً مستقلّة، طُبعت عدّة مرات، أوّلُها سنةَ(1405هـ).
وقد ذكرتُ فيها خلاصةَ معنى ما سبق، مضيفاً إليه النقلَ عن الحافظ ابن حجَر العسقلانيّ الشافعي-رحمه الله-في"فتح الباري"قولَه: (وقد أُحدِث في هذا الزمان زيادةٌ-في ذلك-لا أصلَ لها)!
وقد نقل آخرَ كلامه-رحمه الله-غيرُ واحدٍ من علماء الشافعية-وغيرهم-في تآليفِهم.
ولا أدري(!)لماذا لم يرجع المعترضُ إلى كتابي"أحكام العيدين"-المشار إليه-، وهو أَوْلى بالمراجعة مِن هذا الشرح الشِّفاهي، الـمُلقى على طلبةِ علمٍ في مسجد!
فكلامي متوافقٌ-ولله الحمدُ-مع كلام هذا الإمام؛ بوصفه(الزيادة!)بأنها: (محدَثة في هذا الزمان)، و: (لا أصلَ لها)!
وهي أوصافُ ذمٍّ مكشوفة، وما بعدها: تابعٌ لها، لا يخرج عنها!
وفي كتاب"المهمّات"-للإسنوي الشافعيّ-في بعض مسائل الأذكارِ-ما ورَد، وما لم يَرد فيها- ممّا يُشبه ما نحن فيه-سواءً بسواءٍ-قولُه:
(وما يعتادُه الأئمّةُ-الآنَ-مِن ذِكر(الآل)، و(الأزواج)، و(الأصحاب)؛ فكلُّ ذلك ‌لا ‌أصل ‌له)!
فهل مِن معترِضٍ-مُغالِطٍ!-يُلحقُ النظيرَ بنظيره!؟
أم أنّ(الحصانةَ!)-هنا-غيرُ موجودةٍ هناك!
..فكان ماذا؟!
وفي كتاب"تهذيب اللغة"-للأزهريّ-: (وَقَالَ اللَّيْث: الـمُغبِّرَةُ: قومٌ يغبِّرون ‌يذكرُونَ الله بدعاءٍ وتضرُّعٍ-كَمَا قَالَ قَائِلهمْ: عبادكَ الـمُغبِّرَهْ**رُشَّ علينا المغفِرهْ!
وَقد يُسمّى مَا يُقْرَأ بالتّطريبِ مِن الشِّعرِ فِي ‌ذِكرِ الله-تَعَالَى-: تَغبِيراً ؛ كَأَنَّهُمْ إِذا تَنَاشَدوها بالألحان طَربوا، فَرقصوا ، وأرْهَجوا؛ فَسمُّوا: مُغبِّرَةً-بِهَذَا الْمَعْنى-.
وَقد رُوِي عَن ‌الشَّافِعِي أَنه قَالَ: أَرَى الزَّنَادِقَةَ وضعُوا هَذَا ‌التغبِيرَ لِيَصدُّوا النَّاسَ عَن ‌ذكرِ الله وَقِرَاءَة الْقُرْآن..).
قلتُ: يُريد-رحمه الله-: الذِّكرَ المشروع المأثور.
وفي"تاج العروس"-للزَّبيديّ-: (قَالَ ابنُ دُرَيْد: ‌التَّغْبِير: تَهْلِيلٌ، أَو: تَرْدِيدُ صَوْتٍ يُرَدَّدُ بقِرَاءَةٍ وغَيْرِهَا، ومثلُه قولُ ابْنِ القَطّاع..).
وبما تقدّم:
يظهرُ لك: قدْرُ قولِ مَن قال-بجهلٍ وعمىً!-نسألُ الله العافية-مُعلِّقاً بأسلوبٍ عاطفيٍّ تهييجيٍّ!-: (أصبح التهليل والتكبير والصلاة على سيدنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قصص(!) وحكايات ما أنزل الله بها مِن سلطان؟!)!
..فسُبحانك ربي؛ هل هذا الوصفُ-بالذمّ-وصفٌ للتهليل والذِّكر-مِن حيثُ هو ذِكرٌ مشروعٌ..-، أم هو وصفٌ للزيادة على الذِّكر المشروع-بغير دليلٍ ولا حُجّة-؟!
ثمّ تعقّبني(!)المعترِضُ فيما لم يخرج تعبيري عنه بكونه مجرد: (شُعور!)! ممّا لا يُؤبَه له!
ولو عظّم المعترضُ الناقلُ-فضلاً عن المتعقّبِ الجاهل!-ما نُقل عن غير واحدٍ مِن السلَف-منهم: الصحابيّ الجليل عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-مِن قولِه: (اقْتِصَادٌ ‌فِي ‌سُنَّةٍ خَيْرٌ مِن اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ)، مُضافاً إلى حديثِ النبيّ-صلى ىالله عليه وسلم-: (مَن رغِب عن سنّتي فليس منّي)-وسبب ورودِه..!-: لَسكت! وأدرَكَ حقيقةَ مرامي، ومحصِّلة كلامي!
لكنّ أكثرَ المعترِضين(!)في غفلةٍ-أو تغافُلٍ!-عن منهجيةِ الاتِّباع السنّي الصحيح-حتى لو كان ذلك منهم(!)مِن باب الاحتياط في/لـ=الدين-!! رُضوخاً منهم لتعصُّبهم المذهبيّ! المقدِّمينَهُ على الهَدْيِ النبويّ المحمّدي-شعَروا! أو لم يشعُروا-!
و..هل ذيّاك الأعمى الجهولُ-في تساؤله التافه الساقط-ذاك!-يُغالطُ نفسَه! أم أنّه يستغفلُ أشياعَه الناظرين-المقلّدين!-في كلامه الـمُلْقَى على عواهنِه!؟
ومِن ناحية أُولى-وليست أخرى!-: فإنّه لا يخفى عَلَيَّ-ولله الحمدُ-: أنّ الخلافَ في هذه المسألة(الفرعية!)-ومثلُها كثيرٌ!-مع هؤلاء-وأمثالِهم-مبنيٌّ على خلاف(أصليّ)في فهم، وإدراك معنى(البدعة!)المذمومة! وليس خلافاً في مسألةٍ فقهية-أو مسائلَ فرعيّةٍ-بين راجحٍ! ومرجوح!
ولهم في هذا الخلاف-(الأصل!)-تناقُضاتٌ، وتأويلاتٌ-مبنيّةٌ على محضِ شبهات!-كما بيّنتُ بعضاً مِن فُروع ذلك في كتابي: "تفريح القلوب، وتفريج الكُروب"-وهو مطبوعٌ-!
وتأصيلُه-كلِّه-محقَّقاً-في كتابي الآخَر: "علم أصول البدع"-المطبوع قبل ثلاثين عاماً-نسألُ الله حُسنَ الختام لنا ولكم-.
وقد قال العلامةُ الشوكاني-رحمه الله-في"نيل الأوطار"-في هذه المسألة المبحوثة-كأنّما هو يُلخّصُ كلامي المعترَض عليه-أو العكس..!-:
(وَقَد اسْتَحْسَنَ الْبَعْضُ زِيَادَاتٍ فِي تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ لَمْ تَرِدْ عَنْ السَّلَفِ...
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ تَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ لَا يَخْتَصُّ اسْتِحْبَابُهُ بِعَقِبِ الصَّلَوَاتِ؛ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ-كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْآثَارُ-..).
..أنقلُ هذا مع علمي(!)أنّ أكثرَهم لا يرفعون للعلامةِ الشوكاني رأساً!
مع التذكيرِ(!)بما توارَثه الكثيرُ مِن أهلِ العلم-مِن قولِهم-: "لا ‌تنظرْ ‌إلى ‌مَن ‌قال! وانظرْ إلى ما قال"-!
وثمّةَ نُقولٌ أخرى-في أصل المسألة المبحوثة-:
ففي"حاشية الجمَل على(شرح المنهج)"-مِن كتب الشافعية-: وصفُ تلكم الزيادات(!)-التي استنكرناها-بأنها: (عَمَلُ النَّاسِ..)!!
دون ذِكر-أو حتى الإشارة-إلى أيّ دليل! أو شِبه دليل! إلا إذا كان(عمَلُ الناس!)-عندهم!-هو الدليل!؟
وفي كتاب"نهاية الزَّين"-لمحمد بن عمر نَوَوي جاوي الشافعيّ-: وصفُها بـ (المعتاد..)!!
فهذا(المعتادُ!)ممّن؟! و..كيف؟!
وسيأتي-قريباً-مِن كلام الإمام النوَويّ-رحمه الله-ما هو في هذا المعنى-مِن استنكار بعضِ ما(اعتادَه!)(الناسُ!)!
فالمقرَّرُ: أنّ(عوَامَّ الناس لا مُبالاةَ بإجماعِهم؛ حتّى يُتَمَسَّكَ بعَمَلهم!)-كما في"المنخول في علم الأصول"-للغزَاليّ-.
وفي"تحرير الفتاوى"-لأبي زُرْعةَ العِراقيّ-بعد ترجيحِه مسألةً-ما-قال: (وهو مُقتضى الفقهِ عند أصحابنا، لكنَّ ‌عملَ ‌النَّاسِ على خلافِه، ولا اعتبارَ بعملهم؛ فهو فاسدٌ)!
وفي"حاشية البُجيرمي على الخطيب"-بعد تنبيهِه على مسألةٍ-قال: (يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهَا؛ لِأَنَّ غَالِبَ ‌عَمَلِ ‌النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ)!
وقد قال الشوكانيُّ-في(مسألة التكبير)-: (... فما جَرَت عليه عادةُ الناس-اليومَ-استناداً إِلى بعضِ الكتب الفقهيّة- مِن جعلِه[التكبير]عَقِبَ كلّ صلاةِ فريضةٍ-ثلاثَ مراتٍ...وقَصْرِ المشروعية على ذلك-فحسب-: ليس عليه أثارةٌ مِن علمٍ-فيما أعلم-...).
قلتُ:
وممّا علَّقه الإمامُ البُخاري-رحمه الله-في"صحيحه"-بصيغة الجزم-، قولُه: «وكان ابن عمر يُكبِّر-بمِنى-تلك الأيام، وخلفَ الصلوات، وعلى فراشه، وفي فُسطاطه، ومجلسه، وممشاه-تلك الأيامَ-جميعًا-».
وهذا عينُ ما أردتُه مِن مَسلكٍ صوابٍ في تصحيحِ تخصيصِهم المنتقَدِ للتكبيرات أدبارَ الصلوات-بغير دليل-!
وفي"سُنن أبي داودَ": عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ ‌عُمَرَ، فَثَوَّبَ رَجُلٌ فِي الظُّهْرِ-أَوِ الْعَصْرِ-، قَالَ: «‌اخْرُجْ ‌بِنَا؛ فَإِنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ».
وفي رواية عبدالرزاق الصنعاني في"المصنَّف": (..فإنّ هذا مبتدِع).
قال الحافظ العيني في"شرح سُنن أبي داودَ": ("ثَوَّبَ رَجُلٌ فِي الظُّهْرِ"، معناه: أنه خرَج إلى باب المسجد، ونادى: الصلاةَ-رحمكم الله-).
وروى التِّرمذي(2738)عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فقَالَ ابْنُ عُمَرَ: (وَأَنَا أَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-!
عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ).
وروى الخطيبُ البغدادي في"الفقيه والمتفقّه"، والبيهقي في"السنن الكبرى"-بسند صحيح-عن سعيد بن المسيِّب، أنه رأى رجلاً يصلّي بعد طلوع الفجر أكثرَ مِن ركعتين-يُكثِر فيها الركوعَ والسجودَ-، فنهاه، فقال: يا أبا محمد! يُعذّبني الله على الصلاة؟! قال: لا، ولكنْ؛ يُعذّبُك على خِلاف السنّة.
...فهل يقولُ قائلٌ-عاقلٌ-: كيف يكون(ذِكر الله)، و(الصلاة والسلام على رسول الله)بدعةً! ومُحدَثاً-عند ابن عُمر-يَستنكرُهما؟!
وكذلك: (الصلاة)؛ كيف تكونُ خلافَ السنّة-عند ابن المسيِّب-استنكاراً!؟
وذاك كهذه-يا سادةُ، يا كِرامُ-:
فالاستنكارُ ليس للذِّكر-مِن حيثُ ذاتُه-يا مَن...يفهم!-؛ إنّما الاستنكارُ (للزيادة) على (الذِّكر المشروع المأثور)!
فالأمرُ بـ(الخروج من المسجد!)، والوصفُ(بالبدعة!)-وما في معناه-: ألفاظُ استنكار-لا شكّ ولا ريب-!
حتى لا يقولنّ قائلٌ-متعجّلاً-بغير تبصُّر!-: هذه بدعٌ حسنةٌ!
سبحانك اللهمّ..
وما أجملَ ما صحَّ عن ابن عُمر-رضي الله عنهما-أنّه قال: " كلُّ بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناس حسنةً".
ومِن وصايا ابن عباسٍ-رضي الله عنهما-:" عليك بالاستقامةِ، واتِّباع الأثر، وإياك والتبدُّعَ"
وقال معاذُ بن جبَل-رضي الله عنه-:"إيّاكم وما ابتُدع؛ فإنّ ما ابتُدع ضلالٌ".
وقال عبدُ الله بن مسعود–رضي الله عنه-:"اتبِعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم، وكل بدعةٍ ضلالة".
وأقولُ-في هذا المقام/المقال-كلمةً-أُراها مهمّةً واقعيّةً-، وهي:
أنَّ أكثرَ مُحسِّني-ومُستحسِني-البِدع(!)-المجتهِدين في ذلك!-إن لم يكونوا كلَّهم!-: تراهم مقصِّرين-جداً-هداهم الله-في تطبيق ما ثبَت مِن السنن الصحيحة الهادِيةِ عن نبيِّنا الكريم-صلوات الله وسلامه عليه-!!
وتصديقُ ذلك: ما ورَد عن التابعيّ حسّانَ بنِ عطيّةَ-رحمه الله-، أنّه قَالَ: "‌مَا ‌أَحْدَثَ ‌قَوْمٌ ‌بِدْعَةً ‌فِي ‌دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا..".
وفي"تاريخ دمشق"-للحافظ ابن عساكرَ-مِن شِعر الإمام ابن جرير الطبَريّ-قال:
وَأَعْلَى البرايا مَن إِلَى السُنَنِ اعتزَى**وأغوى ‌البرايا ‌مَن ‌إِلَى ‌البِدَعِ انْتَمَى
قلتُ:
ومِن باب ذِكر الشيءِ بمثاله-بياناً للخلَل المنهجيّ في تفكير أكثر محسِّني البِدَع!-:
أُورِدُ ما قاله الإمامُ النووي في"المجموع":
(قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِحْبَابَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ: لِلْإِمَامِ، وَالْمَأْمُومِ، وَالْمُنْفَرِدِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَقِبَ كُلِّ الصَّلَوَاتِ-بِلَا خلاف-.
وأمّا ما اعْتَادَهُ النَّاسُ-أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ-مِنْ تَخْصِيصِ دُعَاءِ الْإِمَامِ بِصَلَاتَي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ؛ فَلَا أَصْلَ لَهُ..)!
ومثلُه: ما قاله الإمام النووي في"المجموع"-أيضاً-:
(يُكْرَهُ فِي الْخُطْبَةِ أَشْيَاءُ؛ مِنْهَا: مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الْخُطَبَاءِ مِن الدَّقِّ بِالسَّيْفِ عَلَى دَرَجِ الْمِنْبَرِ فِي صُعُودِهِ!
وَهَذَا بَاطِلٌ ‌لَا ‌أَصْلَ ‌لَهُ! وَبِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ!
وَمِنْهَا: ‌الدُّعَاءُ إذَا انْتَهَى صُعُودُهُ-قَبْلَ جُلُوسِهِ-، وَرُبَّمَا تَوَهَّمَ بَعْضُ جَهَلَتِهِمْ أَنَّهَا سَاعَةُ إجَابَةِ ‌الدُّعَاءِ!
وَذَلِكَ خَطَأٌ ضَعِيفٌ؛ فَالصَّوَابُ: الِاعْتِنَاءُ بِمَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ الَّذِي خَصَّهُ الْعُلَمَاءُ بِالذِّكْرِ، وَحَثُّوا عَلَيْهِ، وَفَضَّلُوهُ، وَحَدِيثُهُ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"-وَغَيْرِهِ-..)!
ومثلُهما-أيضاً-: ما ذكَره أبو زُرعة العراقي الشافعيّ في"تحرير الفتاوى"مِن أنّ جملةَ (وعلى آله) -في القُنوت-لم يذكرها غيرُ النووي في"الأذكار"-، ثم قال:
(وقال الشيخ تاج الدين الفِركاح: إنه ‌لا ‌أصلَ ‌له)!
...فهلّا قال قائلٌ-منهم!-حتى لو لم يكن جاهلاً أعمى!-: لماذا الاعتراضُ على ذِكر الله-وما في معناه-!؟
أمْ أنّ جُملةَ(لا أصل له!)-في هذه النصوص العلميّة-وأشباهِها-في استنكارِ بعض الأفعال! أو الأقوال!-صارت عند البعض(!)للاستحباب!؟
فهي-هكذا-عندهم!-إذَن!-مِن البدع الحسنة!
وقد يقولُ قائلٌ آخَرُ-منهم-: هم بشَر! يُصيبون ويُخطئون!
فنقولُ: لا شكّ أنهم بشَر! لكنْ؛ ما الضابطُ الذي يجعلكم(!)تخطِّئون هذا! أو تصوِّبون ذاك!؟
فــ..سيضطربون في الجوابِ-يقيناً-؛ بين أن يقولوا-تارةً-: (المذهب!)، و-تارةً أخرى!-: (المصلحة!)، و-ثالثةً-: (الدليل)!! وأخشى أن يقولوا-أخيراً-: (عمَل الناس)!
والجوابُ الصحيحُ-لا غير-؛ هو: "الدليلَ الدليلَ"-وعلى وَفْقِ فهْمِ أئمّة السلف الأوّلين-؛ الذين هُم مِرآةُ الأُمّةِ-(مِن أهل القرونِ الثلاثة الأُوَلِ-مِن العلماء العاملين، ومَن اتَّصف بأوصافهم مِن المتأخِّرين)-كما قال ابنُ عبدِ السميع الأزهريّ-رحمه الله-في كتابِه"الثمَر الداني"-..
وحِرصاً على عدَم الإطالةِ-وقد حصَل مِن ذلك شيءٌ!-: فقد أعرَضتُ عن إيرادِ ما هو أكثرُ-وأكثرُ-مِن النصوص البيّنات، والأدلّة الواضِحات الباهِرات-في هذا الباب-.
وقبل الختامِ أقولُ:
...لقد شغلَنا كثيرٌ مِن هؤلاء-هداهم الله-بضعيفِ معرفتِهم! وقبيحِ اجترارِهم! وسوءِ طعوناتِهم!
وتاللهِ؛ لولا أمانةُ تبيينِ العلم، وخشيةُ اغترارِ بعضِ العامّة والدَّهْماء ببعضِ نقولاتِهم الـمُدلَّسة! وتعليقاتِهم التهويشيّة-المتكاثِرة!-: لَكسَرْتُ القلمَ عنهم! وحفِظتُ المِدادَ دونهم! فقد سئمتُ تتبُّعَ كِتاباتِههم! والكشفَ عن حقيقةِ نُقولاتِهم!!
ولكنّ لذّةَ البحثِ العلميّ ومُتعتَه، وجماليةَ مُراجَعة الكتُب والبحثِ فيها، والطمَعَ بالأجر والمثوبة مِن الله-تعالى-قبلَ كلِّ شيء-: تحثُّني-دوماً-على تتبُّع ما يُسوِّدُه هؤلاء! وإبانةِ حقيقة ما هُم عليه-مع الحِرص على هدايتِهم، وتسديدِهم-!
وذلك على عكس ما نرى-منهم!-: مِن التصيُّدات! والفرَح بالزلّات! ولكنّها-عند التحقيق والتدقيق-كما أثبتُّ في مقالاتٍ عِدّةٍ سابقةٍ-على عكسِ ما يشتهون! وضِدُّ ما يبتغون!! هَباءً في الهواء!!!
مُكرِّراً ما قلتُه في عددٍ مِن مقالاتي السابقة-نفعَني اللهُ وإيّكم بها-:
أنَّ هذا المقالَ-وأشباهَه-ليس الـمُرادُ الأساسُ به-يقيناً-ترجيحَ رأيٍ فقهيٍّ على رأيٍ آخَرَ! فلم تزَلْ-ولا تزالُ-و..ستبقى-مسائلُ الفقهِ الفرعيّةُ-الخلافيةُ الاجتهاديةُ-سِجالاً بين الفُقهاء والعُلماء-جميعاً-بين النقد والترجيح، والتخطئةِ والتصحيح-دون تقبيح-بين الأجر والأجرَين-رجاءً بالمولى اللطيفِ الخبيرِ-سبحانه في عُلاه-.
وإنّما القَصْدُ مِن مقالي-هذا-كلِّه-وما له مِن أشباهٍ-قَبلاً وبَعداً-: ضبطُ قواعد البحث العلميّ الموزون، وتنقيحُ أُصول المعرفة الصحيحة، وتحقيقُ النظَر الفقهيّ المعتدِل..
فـــ..اللهمّ-يا ذا الجلال والإكرام-:
فقِّهنا في دينِك الحقّ..
وارزُقنا حُسْنَ الاتِّباع لنبيِّك محمدٍ-صلى الله عليه وسلم-..
وجمالَ التأسِّي بالسلَف الصالحين-رضوان الله عليهم-أجمعين-منهجاً، وعقيدةً، وأخلاقاً-..
وألِّف بين قلوبِنا..
واسلُلْ سخائمَ صُدورِنا، وآمِنّا في أوطاننا، وادْرأْ في نُحور أعدائنا..
وادْفع عنّا-وعن جميعِ المسلمين-الوباءَ، والبلاءَ، وكُلَّ داء..
..بمنِّك، وكرَمِك-يا أرحمَ الراحمين-.


كتبه
علي بن حسَن الحلبي
ضُحى يوم الخميس: 23/ذي الحِجة/1441هـ
عمّان-عاصمة الهواشم/المملكة الأردُنّية الهاشميّة.

و..نشرتُه هذا اليومَ:
الإثْنَيْن 17 أغسطس 2020 ميلادى - 27 ذو الحجة 1441 هجرى

والله الموفّق...

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5